أبي بكر الكاشاني
212
بدائع الصنائع
الاختلاف فيه فيما تقدم ومنها إذا أمن عليه بنفسه حال قدرته على الأداء بنفسه فلا يجوز استنابة غيره مع قدرته على الحج بنفسه وجملة الكلام فيه ان العبادات في الشرع أنواع ثلاثة مالية محضة كالزكاة والصدقات والكفارات والعشور وبدنية محضة كالصلاة والصوم والجهاد ومشتملة على البدن والمال كالحج فالمالية المحضة تجوز فيها النيابة على الاطلاق وسواء كان من عليه قادرا على الأداء بنفسه أو لا لان الواجب فيها اخراج المال وانه يحصل بفعل النائب والبدنية المحضة لا تجوز فيها النيابة على الاطلاق لقوله عز وجل وان ليس للانسان الا ما سعى الا ما خص بدليل وقول النبي صلى الله عليه وسلم لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى أحد عن أحد أي في حق الخروج عن العهدة لا في حق الثواب فان من صام أو صلى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات أو الاحياء جاز ويصل ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته ممن آمن بوحدانية الله تعالى وبرسالته صلى الله عليه وسلم وروى أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان أمي كانت تحب الصدقة أفأتصدق عنها فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدق وعليه عمل المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من زيارة القبور وقراءة القرآن عليها والتكفين والصدقات والصوم والصلاة وجعل ثوابها للأموات ولا امتناع في العقل أيضا لان اعطاء الثواب من الله تعالى افضال منه لا استحقاق عليه فله أن يتفضل على من عمل لا جعله بجعل الثواب له كما له أن يتفضل باعطاء الثواب من غير عمل رأسا وأما المشتملة على البدن والمال وهي الحج فلا يجوز فيها النيابة عند القدرة ويجوز عند العجز والكلام فيه يقع في مواضع في جواز النيابة في الحج في الجملة وفي بيان كيفية النيابة فيه وفي بيان شرائط جواز النيابة وفي بيان ما يصير النائب به مخالفا وبيان حكمه إذا خالف اما الأول فالدليل على الجواز حديث الخثعمية وهو ما روى أن امرأة جاءت من بنى خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت يا رسول الله ان فريضة الحج أدركت أبى وانه شيخ كبير لا يثبت على الراحلة وفى رواية لا يستمسك على الراحلة أفيجزيني أن أحج عنه فقال صلى الله عليه وسلم حجى عن أبيك واعتمري وفى رواية قال لها أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه اما كان يقبل منك قالت نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم فدين الله تعالى أحق ولأنه عبادة تؤدى بالبدن والمال فيجب اعتبارهما ولا يمكن اعتبارهما في حالة واحدة لتناف بين أحكامهما فنعتبرهما في حالين فنقول لا تجوز النيابة فيه عند القدرة اعتبارا للبدن وتجوز عند العجز اعتبارا للمال عملا بالمعنيين في الحالين وأما كيفية النيابة فيه فذكر في الأصل ان الحج يقع عن المحجوج عنه وروى عن محمد ان نفس الحج يقع عن الحاج وإنما للمحجوج عنه ثواب النفقة وجه رواية محمد انه عبادة بدنية ومالية والبدن للحاج والمال للمحجوج عنه فما كان من البدن لصاحب البدن وما كان بسبب المال يكون لصاحب المال والدليل عليه انه لو ارتكب شيئا من محظورات الاحرام فكفارته في ماله لا في مال المحجوج عنه وكذا لو أفسد الحج يجب عليه القضاء فدل ان نفس الحج يقع له الا ان الشرع أقام ثواب نفقة الحج في حق العاجز عن الحج بنفسه مقام الحج بنفسه نظرا له ومرحمة عليه وجه رواية الأصل ما روينا من حديث الخثعمية حيث قال لها النبي صلى الله عليه وسلم حجى عن أبيك أمرها بالحج عن أبيها ولولا أن حجها يقع عن أبيها لما أمرها بالحج عنه ولان النبي صلى الله عليه وسلم قاس دين الله تعالى بدين العباد بقوله أرأيت لو كان على أبيك دين وذلك تجزئ فيه النيابة ويقوم فعل النائب مقام فعل المنوب عنه كذا هذا والدليل عليه ان الحاج يحتاج إلى نية المحجوج عنه كذا الاحرام ولو لم يقع نفس الحج عنه لكان لا يحتاج إلى نيته والله أعلم وأما شرائط جواز النيابة فمنها أن يكون المحجوج عنه عاجزا عن أداء الحج بنفسه وله مال فإن كان قادرا على الأداء بنفسه بأن كان صحيح البدن وله مال لا يجوز حج غيره لأنه إذا كان قادرا على الأداء ببدنه وله مال فالغرض يتعلق ببدنه لا بماله بل المال يكون شرطا وإذا تعلق الفرض ببدنه لا تجزئ فيه النيابة كالعبادات البدنية المحضة وكذا لو كان فقيرا صحيح البدن لا يجوز حج